لا زلت أذكر ذلك الهاتف الأصفر. كان من أقدم أنواع "نوكيا" اللاسلكي، يضع والدي رحمه الله شريحة "الخط الجوي" فيه ليتصل بأقاربه البعيدين. لم تكن لدينا هواتف ذكية، ولا أجهزة لوحية، بل كان ذلك الجهاز الصغير هو نافذتنا الوحيدة على العالم الخارجي.
في تلك الأيام الجميلة، لم تكن تعرف قريتنا الريفية مصطلح "إنترنت"، ولم نسمع عن واتساب أو فيسبوك. كانت الحياة بسيطة، هادئة، وجميلة. كنا نجتمع بعد العشاء كلنا في "الديوان" نضحك، نتحدث، نتسامر. كنا ننام مبكراً، ونصحو مع أذان الفجر، ونحن نشعر بالطمأنينة. لم نكن نعرف معنى "عزلة اجتماعية"، لأن العزلة لم تكن موجودة أصلاً.
ومع التطور التكنولوجي الكبير، أصبح العالم أكثر اتصالاً من الناحية التقنية، لكنه في المقابل فقد جزءاً من دفئه الإنساني. فالتكنولوجيا سهلت التواصل والتعليم والعمل، لكنها غيّرت شكل العلاقات الاجتماعية وطبيعة الحياة اليومية بشكل واضح.
عندما كانت نغمة نوكيا تناديني باسمي..
أتذكر ذلك الرنين المميز. لم يكن مجرد نغمة عادية، بل صوت يجعلني أركض نحو الهاتف مسرعاً. كان والدي رحمه الله يشارك في برنامج "صوتك كنز" على قناة طيور الجنة. في كل مرة، يصوت لمتسابقين من اليمن، ويكتب اسمي "زكريا" في التصويت.
لا يمكن وصف شعوري وأنا أرى اسمي يتسلق شريط القناة الملون على شاشة التلفاز الصغيرة. كنت أقفز فرحاً، وأجري لأخبر أمي. كان والدي يبتسم ابتسامة عريضة، ويقول: "هذا ابني يا ناس". كان اسمي قطعة نور في بيت مزدحم بالحب.
"تتم معظم عمليات الاتصال الجماهيري من طرف واحد"، كما يقول محي الدين حسين (2021، ص22). في ذلك الزمن الجميل، لم نكن نحتاج لأطراف كثيرة. طرف واحد كان كافياً ليرسل لنا الفرح.
هل التكنولوجيا سرقت منا الفرح الحقيقي؟
اليوم، وبعد أن امتلك كل فرد في البيت هاتفاً ذكياً، تغير كل شيء. الجلوس في "الديوان" لم يعد ممتعاً. الكل منهمك في هاتفه. لو كان والدي بيننا اليوم، لاستغرب من حالنا كثيراً. كان سيسأل متعجباً: "لماذا لا تتحدثون مع بعضكم؟ لماذا عيونكم ملتصقة بهذه الشاشات الصغيرة؟".
تقول سامية قطوش: "الأفراد أصبحوا يقضون وقتاً طويلاً في التعامل مع الكمبيوتر والإنترنت... مما يؤدي إلى إشاعة حالة من العزلة الاجتماعية" (قطوش، 2021، ص198).
صدقت. نحن اليوم في البيت الواحد ولا نتحدث. نكتب رسائل "واتساب" لمن بجانبنا بدلاً من أن نرفع رؤوسنا ونبتسم. حتى صلاة العشاء صارت تؤجل لعلنا ننهي مشاهدة "ريلز" عابر. لم يعد أحد يتذكر حلاوة تلك الليالي التي كنا ننظر فيها للنجوم ونتبادل الأحاديث. استبدلنا النقاش بـ "سكرين شات"، والرقص بـ "قلب أحمر" بارد.
هل أتمنى عودة هاتف والدي الأصفر؟
بكل تأكيد. فباختفاء ذلك الهاتف، اختفت تلك البراءة. لم يعد اسمي يُكتب ليُفرحني، بل ليَقايض إعلاناً يبيع الوهم. كانت تلك النغمة صوت حياة، أما اليوم فالضوضاء تملأ بيوتنا.
رحمك الله يا والدي. كنت بأبسط أجهزتك أغنى الناس. وأنت اليوم في الجنة، أتخيل أنك تنظر إلينا من هناك، وتدعو لنا أن نعود إلى رشدنا. في قعر بيتنا، يرن هاتف البيت ، فلا أرفع السماعة. ربما لأن المتصل أصبح دائماً "إعلاناً تجارياً" أو تنبيهاً لا معنى له، وليس صوت أحد يسأل عن أحوالي.
لذلك أعتقد أن التكنولوجيا ليست مشكلة بحد ذاتها، وإنما طريقة استخدام الإنسان لها هي التي تحدد إن كانت وسيلة لبناء العلاقات وتحسين الاقتصاد، أم سبباً للعزلة وفقدان القيم الاجتماعية.
في قلبي شوق صامت لتلك الأيام، أيام لم نكن نعرف فيها "إنترنت"، لكننا كنا متصلين حقاً.
بقلم / زكريا عبدالله القاضي.
.jpeg)